طور طالب نظرية البجعة السوداء هذا المنوال، مفادها أن الأحداث الكبرى في التاريخ حدثت بفعل المفاجأة وكانت غير متوقعة، مثل اكتشاف الكمبيوتر والإنترنت والحرب العالمية الأولى وأحداث 11 سبتمبر 2001، وأخيراً انفجار أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة. ويقول طالب ان «أدوات فهمنا لما يجري في وول ستريت وضعت خلال القرنين الماضيين، وهي باتت عتيقة. نحتاج اليوم إلى أدوات جديدة، لأن سوء الفهم أصبح ضخماً وكلّف في الأزمة الراهنة تريليون دولار من الخسائر».
من هو نسيم نيكولا طالب
يُعرّف موقع ويكيبيديا الالكتروني نسيم طالب بعالم الابيستمولوجيا اللبناني الأصل الذي يكتب بالإنكليزية ويقيم في نيويورك. اشتهرَ بقصصه الفلسفية بقالب سردي روائي، تخيّم عليها السيرة الذاتية والتعليقات العلمية. فمن هو هذا النجم الذي يلتفت إليه الجميع هذه الأيام لمحاولة فهم ما يجري في وول ستريت وبقية أسواق الأسهم؟ وما أساس فلسفته «البجعة السوداء»؟ ولماذا وصفته صحيفة التايمز البريطانية بـ«أكبر مفكر في العالم»، هو القائل ان «العالم الذي نعيش به يختلف بشكل كبير عن العالم الذي نفكر أن نعيش فيه»؟
لم يلق نسيم نقولا نجيب طالب حرارة في الاستقبال حين وقع كتابه الأخير «البجعة السوداء: تأثير اللامحتمل الكبير» في مركز فيرجن ميغاستور وسط بيروت مساء 24 يوليو الماضي. لكن الحرارة التي تواجهه من المؤسسات المالية الغربية اليوم لا مثيل لها. فطالب كاتب أدبي، وباحث ابستمولوجي (أي باحث في علم المعرفة) في الوقت نفسه. من مواليد عام 1960 في بلدة أميون شمال لبنان، يعمل طالب اليوم أكاديميا متخصصا في أمور المعرفة وعلاقتها بالعشوائية randomness. ويُعتبر مخترع المشتقات المالية المعقدة complex financial Derivative التي مارسها لفترة طويلة من خلال عمله في إحدى شركات وول ستريت قبل أن يبدأ عملا آخر كباحث في علم أحداث الصدفة. ويركز في مشروعه على محاولة وضع خطة لكيفية العيش والتصرف في عالم لا نفهمه حقا، وكيف يمكن أن نفسر مجالات العشوائية واللامعلوم، التي تتضمنها نظريته المسماة البجعة السوداء black swan theory، في الأحداث النادرة غير المتوقعة.
نظرية البجعة السوداء
لكن ما حكاية كتابه ونظريته «البجعة السوداء»؟ في حين لم يتوقع أحد الانهيارات الحاصلة في وول ستريت والأسواق المالية الأوروبية والآسيوية اليوم، انفرد طالب بهذه التنبؤات. وتأكيداً على تنبؤاته الصحيحة، يعود طالب إلى مقاله المنشور في جريدة نيويورك تايمز في أغسطس عام 2003، عندما توقع أن تشهد مؤسسة الرهن العقاري العملاقة «فاني ماي« مخاطراً في ارتفاع معدلات الفائدة التي قد تؤثر سلباً على قيمة محافظها المالية. وفي الصفحة 255 من كتابه الأخير «البجعة السوداء» الذي نشر في مايو 2007، يكتب طالب: «عندما أنظر إلى مخاطر «فاني ماي» يبدو لي أنها تجلس على برميل من الديناميت».
ووجد كتابه الذي يتحدث عن علم الاقتصاد والفلسفة صدى كبيراً لدى الجمهور، خصوصا أنه يخاطب زمنه، وأصبح نصاً أساسياً في المساعدة على فهم الأزمة التي تمر بها الأسواق الرأسمالية.
ولم يحقق الكتاب أعلى مبيعات في أميركا فحسب، بل أصبح لعنوانه تأثيراً بالغاً في وصف الأزمة المالية التي أطلق عليها «أزمة البجعة السوداء».
وتدور الفكرة الرئيسية لكتاب طالب حول عدد صغير من الأحداث غير المتوقعة -أي البجعة السوداء - وتفسر هذه الأحداث الكثير من الاضطرابات التي تضرب أسواق العالم اليوم. وتعبير البجعة السوداء جاء من القرون الوسطى في القارة الأوروبية، حيث كان يسود الاعتقاد بأن كل البجع لونه أبيض، لذا لا وجود للبجع الأسود. وبعد اكتشاف البجع الأسود في القرن السابع عشر في أستراليا، بات تعبير البجعة السوداء يعني أن المستحيل ممكن التحقق.
تفسير الأزمة الحالية
إذاً، كيف يفسر طالب الأزمة المالية الحالية؟ بالقول إنه لا تفسير لها! سببتها فقط البجعة السوداء المستحيلة التي تصبح فجأة ممكنة في عالم العجائب الرأسمالي. وعادة تحاول شتى العلوم، خصوصا الإحصائية والرياضية والاقتصادية منها، البحث عن الأحداث الأكثر احتمالا من خلال قراءة التاريخ. لذا يتم رسم الأحداث وتحديد احتمالاتها من خلال المنحنى الطبيعي، والذي يأخذ شكل الجرس Bill Curve.
فالأحداث التي تقع على الأطراف هي الأقل احتمالا، أما الأحداث التي تقع قريباً من المنتصف، فهي أكثر احتمالا للوقوع، مما يعني أن علينا التركيز عليها بشكل أكبر. ومنذ ظهور نظرية التوزيع الطبيعي للأحداث، ركز الباحثون على بناء نماذج التنبؤ بالأحداث المستقبلية على هذا الأساس، بمحاولة استخلاص الاحتمالات من القراءة التاريخية لها. لكن طالب قلب هذه الطريقة من التفكير رأساً على عقب عندما قدم كتابيه، الأول: Fooled by Randomness والثاني The Black Swans.
والحقيقة التي يحاول طالب إظهارها في الكتاب الأخير، حسب مقال كتبه الصحافي اللبناني سعد محيو، أحدثت نوعاً من الصداع لدى محللي وول ستريت ولدى أكثر الناس ألمعية في علوم التمويل والاقتصاد والإحصاء، أمثال مايرون سكولز وروبرت إنجلز الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد. فهو ينطلق من حقيقة أن الطريقة التي نرى ونقرأ بها الأحداث تجعلنا نركز على الأحداث الأكثر احتمالا فقط. لذا تعتبر مشكلة المحللين الماليين، حسب طالب، ضعف قدرتهم على التنبؤ أو التقليل من أهمية هذه الأحداث أو البجعة السوداء، لأنها تقع في أطراف التوزيع الطبيعي. هذا على الرغم من أهمية هذه الأحداث في التأثير على عوائد الاستثمارات، خصوصاً على المدى الطويل.
هذا، ويعتبر طالب أن العشوائية علم يمكن دراسته على 3 مستويات: علم الرياضيات والتجربة والسلوكيات البشرية، لكنه يشير إلى أن مشكلة العشوائية الكبرى لا يمكن حلها، و«هذا ما يكرهه الأكاديميون فيّ»، على حد تعبيره لصحيفة صنداي تايمز البريطانية.
ويعترف طالب في حديثه لـ«صنداي تايمز» بأنه توقع الأزمة الحالية عندما انتخب بن برنانكي رئيسا لمجلس الاحتياطي اليدرالي الأميركي. ويقول: «برنانكي كان بمنزلة البجعة السوداء، ما كنت لأستخدمه حتى ليقود سيارتي. هذا النوع من الرجال خطير. ليسوا مؤهلين في حقولهم الصحيحة».